الشيخ محمد الصادقي

265

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

هذا ولأن الإماتة الثانية لا تزعج الصالحين لا يأتون في الأخرى بذكرها إلّا تلميحا : « أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » ( 37 : 59 ) استثناء منقطع يعني أن لا موت في الآخرة ، اللّهم إلّا الموتة الأولى في الأولى ، فلولا الموتة الثانية لم تكن لصيغة الأولى من معنى . واما الكفار فتهمّهم الموتة الثانية وأكثر من الأولى ، فإنها تنقلهم إلى دار البوار ، جهنم يصلونها فبئس القرار ، ولذلك يصرحون بها دون المؤمنين ، وفي تصريحة يوم الدين حجة عليهم ، وحجة للمؤمنين يوم الدنيا تدليلا على حياة برزخية بين الحياتين . ثم هذا الخطاب العام : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ » يعني الحالة العامة السائرة لسائر الناس ، لا الذين لهم حياة ثانية وإماتة أخرى في الحياة الدنيا : « كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ . . . فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ » و « الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ » « فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ » « فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى » إحياءات وإماتات أخرى لبعض الناس ، تدليلا حسيّا على أن وعد اللّه حق ! وترى كيف تحتج آيتنا على منكري المبدء والوحي بنكران المعاد ؟ لأنها تحمل دليل التطور بعد ما ثبت المبدء والوحي بما مضى ، قرن الدليل الحسي إلى العقلي ، إذا ف « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ » ؟ ! . ثم الموت هنا « وَكُنْتُمْ أَمْواتاً » من باب العدم والملكة لا عدم الملكة ، فكما يصدق على من مات عن حياة ، كذلك الموت البدائي الذي تلحقه حياة ، فلا يقال لما لا يقبل الحياة ميّت ، وإنما لما يقبلها كما هنا ، أو ما يستقبلها كما في الموت بعد الحياة ، و « أمواتا » هنا تعني الموت الثاني حيث الأول تخصّ لفظة الإماتة دون « كُنْتُمْ أَمْواتاً » .